ان اسرة موقع لاجل سورية ترحب بكم وبكل المراسلين الجدد الذين انضموا الى فريق عملنا ونشكر مساهماتكم ومقالاتكم ونرحب بكل صحفي يرغب بالانضمام الى فريق عملنا راسلونا
عودة المدمرة كول هي
جدي رجل ثمانيني وقف الزمن عنده وقتما تقاعد منذ حوالي الثلاثين عاما ، ما زالت الـ 100 ل.س تعني له الكثير ، وهو يروي لي باستمرار انه عمل عند رجل اعمال كبير في السبعينيات وكان راتبه الشهري يتجاوز الـ 100 ل.س بقليل..
ابو جورج ( جدي ) يقضي نهاره في البحث عن المصادر الرخيصة للطعام ولتأمين احتياجاته المعيشية الاخرى ، ولا ينفك عندما نزوره في بيته في احدى مناطق السكن العشوائي يلوم والدتي ( ابنته ) لانها تشتري اللحم من اللحام المجاور، لأنه ( حرامي ) يبيع كيلو اللحمة اغلى من الذي يبتاع منه جدي على بعد شارعين بـ 20 ل.س.
راتبه التقاعدي مضافا اليه المساعدات المتواضعة من اخوالي يصل بشق الانفس الى سبعة آلاف ليرة سورية شهريا ، ويروي لي جدي بالتفاصيل الدقيقة عن كيفية تدبر امره وهو الرجل المسن بهذا المبلغ ، من الطبابة الى الطعام الى الكهرباء والهاتف والماء . .
كثير من السوريين مثل جدي ، يدخلون في تحد كبير كل اول شهر لموازنة مصاريفهم المتنامية مع دخلهم المحدود ، وهؤلاء ما زال للصفر بحانب الرقم في عالمهم قيمة يرتبون حساباتهم على اساسها.
في المرة الاخيرة التي زرت فيها "ابو جورج" هرع الي ، يلوح بغضب بيده بفاتورة الماء ، وروى لي قصة طويلة عريضة تضمنت زيارته الى مؤسسة المياه اكثر من مرة للاعتراض على قيمة الفاتورة ..
وفي الاعادة الثانية للقصة قاطعته وسألته عن قيمة الفاتورة فاجابني وهو "محموق" ( 385 ل.س ) .. جعلته يكرر الرقم مرتين حيث اني لم اجد في القيمة ما يستحق الاعتراض والذهاب الى المؤسسة مرتين وربما اكثر للاعتراض ..
يا جدي تعترض على 385 ل.س ؟
وبدأ " ابو جورج " في شرح التفاصيل واشار الى مجموعة من الرسوم بتسميات جديدة بدأت تظهر وتزيد قيمتها بفاتورة بعد فاتورة .. ولما دققت بالفاتورة جيداً وجدت ان جدي اقتصادي من الطراز الرفيع ؟؟!
واحتجاجه في محله فهو لاحظ ان الرسوم المفروضة على الفاتورة تساوي قيمة استهلاكه من المياه .. أي ان الرسوم تساوي 100% من قيمة الفاتورة الحقيقية ..
وكانت التفاصيل ان قيمة الاستهلاك = 198 ل.س ، بالاضافة الى رسم مكاني وشعبي وطابع = 23.31 ل.س ، رسم صيانة شبكة وارتفاق = 62.50 ل.س ، رسم صرف صحي = 40.80 و رسم صيانة عداد = 60 ل,س ، ليصل مجموع الرسوم الى 186.61 ل.س ..
واكثر ما آلم جدي واضحكه في الوقت ذاته هو رسم صيانة العداد ، وقال لي انهم لم يلمسوا العداد سوى مرتين خلال اربعين عاما ، الاولى عندما فكوا العدادات في المنطقة منذ اكثر من عقدين وفرضوا مبالع بقيم ثابتة على الساكنين شهريا لقاء استهلاك محدد للمياه ، ثم تراجعوا عن القرار بعد فترة وقاموا بإلزام الساكنين بدفع رسوم العداد مرة اخرى وتركيبه ..
لوهلة وانا الخطيب المفوه صاحب الخبرة في الشؤون الاقتصادية والمحلية واحفظ من حديث المسؤولين الكثير، حسبت باني سوف اجد المبرر له .. وماذا اقول .. دورة تضخمية ، ارتفاع اسعار عالمية ، ميزانية وموازنة وعجز .. زيادة سكانية ..
وددت أن اخبره عما قرأته عن نمو في الناتج ، وزيادة في معدلات الاستثمار وتراجع مؤشرات البطالة وزيادة عدد السياح وارتفاع قيمة الصادرات ..
لكني صمت ..
لن تصرف ايا من هذه الكلمات في قاموس جدي ، يريد تفسيرا .. يريد تدبيرا للمشكلة التي اخلت بتوازن الرعب الذي يعيشه بين الكفاية والعوز ..
سحبت منه فاتورة المياه ووعدته باني سابذل ما في وسعي .. وخرجت ليتبعني ويلقي في اذني عبارة حفظتها وضحكت .. قال لي " الحكومة باتت تبيعنا الحصان بعشر ليرات والرسن بمائة ليرة .. فكيف سنتدبر امرنا "..؟!