2008-10-10 23:21:50
حين تصير الذاكرة موقداً للحطب...ذاكرة الشيخ الجولاني الذي جمع أشلاء حفيده

يتكئ «أبو صبح» على راحة كفه سانداً ظهره إلى جدار عند باب المضافة بعد الظهيرة بوقت قصير، فيغفو هانئاً بنوم قليل. كانت عادة يومية «لذيذة» لا يعطلها زائر عابر أو عمل صغير.

الجزء الأول : يتكئ «أبو صبح» على راحة كفه سانداً ظهره إلى جدار عند باب المضافة بعد الظهيرة بوقت قصير، فيغفو هانئاً بنوم قليل. كانت عادة يومية «لذيذة» لا يعطلها زائر عابر أو عمل صغير.

ألذ ما في عادة الرجل العجوز أنها كانت تحمله بعيداً عن المحيط، يداعب في أحلامه بعضاً من ذكريات الصبا دون أن يغفو عميقاً أو يغرق في التفاصيل.
لكنه قبل الكارثة بيوم واحد، غاص «أبو صبح» على غير العادة في نوم عميق حتى وجد نفسه في بستان تفاحه البعيد. فرأى حفيده الصغير وهو يركض وراء خيوط الشمس النافذة إلى الأرض من بين أوراق الشجر القديم، يداعب الفراشات ويلاحق أطيافها ومعها يطير. وحين يطير الولد يصير عصفورة تحط على أغصان التفاح الأحمر أو حمامة بيضاء، ثم يطير ويطير باتجاه ضوء هائل يميل إلى الاحمرار، ضوء قادم من كبد السماء، حتى يتلاشى ذلك الحفيد الوحيد الجديد، مشتعلاً داخل محرقة الضوء على شكل نجم صغير.
صحا العجوز الجولاني مذعوراً، تعوذ وبسمل، ثم رشف قليلاً من الماء، شعور غامض يسيطر عليه، إنها المرة الأولى التي تطوف الأحلام بالمخيلة المتعبة بعيداً ثم تصل إلى الحفيد.
في الواقع «أبو صبح» يخشى النوم ويتمنى لو يستطيع البقاء في حال دائم من الصحو، فمنذ استشهاد كمال ابنه الوحيد قبل بضع سنوات برصاص صهيوني غادر فقد القدرة على أي نوع من التخيل المفيد، صارت أحلامه أقرب إلى الكوابيس، لكنها على كل حال لم تكن لتحتدم في مخيلة الرجل كما فعلت اليوم في عز النهار. عندما هدأ إيقاعه الفكري قليلاً غادر مكانه باحثاً عن عمل يلهيه عن تفاصيل ذلك الحلم الغريب.
قاسية هي الحياة من البداية حتى النهاية، يخلص «أبو صبح» إلى هذا الاستنتاج اليومي وهو يهبط درج الحجر الأزرق في بيته المستند إلى كتف متين في سفح تلة مجدل شمس المحتلة، وما أن يصل أرض الدار حتى يسارع إلى الجلوس مجدداً على حجر مقابل باب الزريبة حيث مقر الحمار، لقد ذكره هذا الكائن الصامت الساكن بخطة العمل ليوم الغد. إنه يوم الجمعة، وعليه قرر موعداً أبكر من المعتاد للذهاب إلى بستان التفاح، إنه يوم عطلة حيث عليه الانتهاء من نكش برك التراب فوق جذور أشجار التفاح، وفتحه للهواء والشمس قبل البدء بعمليات الري حسب ما يسمح الإسرائيليون المحتلون، الذين وضعوا أيديهم الآثمة على خيرات الجولان وصولاً إلى هوائه النقي العليل.
هذا الرجل السبعيني المشبع برائحة الأرض تقرأ في أخاديد وجهه العتيقة والعميقة الكثير من الآلام والذكريات والسنين، سنون مر بعضها مرور الكرام، أما كثيرها فقد كان حافلاً بالحياة، بالعمل القاسي الذي زاد الجسد صحة وعافية قبل احتلال الصهاينة للجولان، وبانتفاضات الغضب بعد وقوع الاحتلال، بمقارعة الوحشية الصهيونية ورد ذلك الحقد الذي كان ينز من بنادق جنود يهوون قتل التفاح والأطفال والعصافير.
بعد هذا العمر المديد ليس بين يدي «أبو صبح» اليوم سوى إيمانه العميق بالله العلي القدير، وتلك «اللحظات الإلهية»، التي يلاعب فيها حفيده حسون، لحظات تصير روح العجوز خلالها نقية تشبه لحظات السجود، وتصير خفيفة كروح الطفل، الروح التي تسوّل لحسون الاعتقاد أن جسد جده المتكوم على مصطبة أمام باب الدار ليس إلا جذع شجرة جرداء يمكنه الصعود عليها كيفما يشاء.
تجلجل أجزاء العجوز بالفرح ويضحك قلبه وهو يحاول الإمساك بجسد حفيده الطري المتململ المنزعج من خرمشة الكفين الخشنين.
يطول اللعب وتعلو صرخات هذين الكائنين «الصغيرين» لدرجة تدفع أهل البيت وهم قلائل على أي حال، إلى إعلان نوع من التذمر والاعتراض كلاً لأسبابه المختلفة، الزوجة العجوز التي تعتبر أن اللعب بلغ حداً لا يليق بزوجها، أما الأرملة أم الفتى التي تربض وحيدة على ما تبقى لها من رمل العمر البارد، فهي تخشى من حركة طائشة يفلت فيها الطفل من يدي العجوز «أبو صبح» والد زوجها.
ينطفئ اللعب فجأة دون مقدمات، إذ يستجيب الطفل لنظرات أمه الحنون الهابطة من الشرفة المطلة على باحة الدار، ويصعد إليها، يبدأ بعدِّ درجات الصعود الحجرية، فيتعلثم قبل أن يكمل العشرين، وما أن يبدأ العد من جديد حتى يجد نفسه مسوراً بذراعين رقيقتين حنونين لكن متشحتين كما كل الجسد بالسواد، هي الأم التي ترملت بعد زواجها بشهرين.
أما العجوز الذي رافق بعينيه المتراقصتين صعود حسون كامل الدرج فراح يتكوم على نفسه ويغرق في صمت رزين.
قلق خافت ينوس في رأس الختيار غامض السبب، لم يكن الليل على حاله المعتاد، ولا حتى ساعات الصباح الأولى التي كانت تتيح للعجوز بعضاً من ساعات النوم العميق، لقد بلغ القلق الغامض، بالرجل حداً أقلق أيضاً المرأة العجوز التي تبعد بفراشها عنه مسافة عقدين أو أكثر من السنين.
مع خيوط الفجر الأولى انسحب «أبو صبح» من فراشه وتهادى صاعداً درج البيت إلى حيث ركنه الوثير، تمدد على المصطبة الحجرية المكحلة بالإسمنت، وألتحف فروة الصوف غارقاً بدفئها الحميم ونام ساعتين أو أكثر.
ولما اشتد ضوء الشمس على تجاعيد الوجه الغائرة عميقاً استيقظ على عجل، فسوى عمامته البيضاء وعقد فوقها منديلاً من البوبلين الملون، ثم نهض بقامته الطويلة وقد دب نشاط الصباح في كل أرجاء جسده، وقبل أن يهبط الدرج صعّد من حدة الصوت وهو يتنحنح بشيء من الافتعال، إنها الطريقة المعتادة لإيقاظ سكان الدار، لم يكن قد أكمل نزول الدرج كله حين راح يتلقى تحيات الصباح، زوجته العجوز وأسئلتها عن نوع الزوادة، ثم كنته التي أعدت زوادة أخرى لابنها حسون الفلاح الصغير، ثم أخيراً الطفل المدلل لدى الجميع وقد راح يهبط الدرج بسرعة غير آبه لتحذيرات جدته.
الجد وحفيده رفيقان شبه دائمين لديهما أسرارهما الخاصة ولغتهما المشتركة التي غالباً ما تغضب الأم والجدة، وها قد وصلا معاً إلى باب الزريبة ليجدا الحمار على أهبة الاستعداد لأي عمل يكلف به. فتح العجوز الباب الخشبي فخرج الحيوان وسار عدة خطوات ثم وقف من تلقاء نفسه عند الجدار حيث تجري عادة بعض التفاصيل قبل انطلاق الرحلة.
وضع «أبو صبح» أولاً كيساً فارغاً من الخيش الأصفر، وفوقه لقح «الخُرج» ثم طرّاحة القطن المنجد التي تؤمن للطفل راحة أثناء الركوب، وتفقّد عدة العمل؛ المعول والمجرفة والمقراط ومطرة الماء، وأخيراً الزوادة المزدوجة للفلاحين، الكبير الهرم والغض الصغير.
بعد مراسم الوداع التي جرت عند الباب الخارجي للدار بما فيها وصايا الأم لطفلها بعدم الابتعاد عن جده، تولى حسون الذي ركب أمام جده، دفة القيادة وهشّ الحمار فانطلق هذا الأخير ذليلاً حاثاً الخطا غير مكترث بأوامر الخيّال الصغير.
نصف ساعة أو أكثر من الغناء والأحاديث المتبادلة بين «أبو صبح» وحفيده حتى وصلت «القافلة» إلى بستان التفاح والكرز والخوخ الذي لا يخلو من بعض أنواع العنب والتين.
استمر الحمار بتجاوز أشجار التفاح حتى بلغ مستقره المألوف قرب شجيرة زعرور، لعلها الأقدم في هذا البستان، نزل الراكبان عن ظهر الحمار، وانصرف كل منهما إلى عمله، «أبو صبح» إلى معوله الثقيل، والولد إلى لعبة الحفر وهدفه جمع أكبر كمية من التراب استعداداً لإنشاء جبل ضخم من التراب.
مر الوقت هادئاً، وكان من المبكر لأي من الفلاحين الشعور بالملل أو التعب، لكن يبدو أن «عمل» الحفيد كان أكثر صعوبة ومشقة من عمل الجد بدليل أنه تذرع بالشعور بالجوع قبل الموعد المتفق عليه ضمناً لتناول الطعام، فهرع إلى صرة الأكل، عبث بها حتى عثر على «عروسه» الملفوفة بعناية، أمسكها بيديه الملونتين بالتراب وراح يقضمها مبتعداً باتجاه رجم من الحجارة الحمراء والبنية الداكنة يفصل بين جل للتفاح وآخر للكرمى، اكتشف الجد «خيانة» حفيده لكنه لم يفعل شيئاً للاعتراض سوى ابتسامة أضاءت الوجه المكتض بالشعر الأبيض، استند الطفل بقامته الصغيرة إلى الأحجار المرصوصة متابعاً تناول فطوره الصباحي، كانت صيحات جده الصادرة عن أنفاس لاهثة متقطعة، غير واضحة تماماً وبالكاد كانت تصل إلى أذنيه، لكنه على أي حال فهم أنها تدعوه إلى عدم الابتعاد.
هدأ الصوت، وازدادت حدة السكون على حين واصلت الشمس صعودها بهدوء عميق، لا أحد يعرف ما الذي قفز إلى ذهن حسون فجأة، لقد قرر التوقف عن قضم العروس رغم أنه كان يفعل ذلك بشهية. وضعها جانباً وصعد رجم الحجارة الواقع في الثلث الأخير من البستان، وراح يحاول النزول إلى الجهة الأخرى، أنه يتلفت حوله، يحرص على ألا يراه أحد، لعل «الرجل الصغير» يريد الانفراد بنفسه من أجل قضاء حاجة، لكن فات الأوان ولم يعد من الممكن أبداً معرفة ما الذي كان يريده حسون ذلك العصفور الملائكي، لأنه ما إن قفز عن الحجارة إلى تراب الأرض دوّى انفجار مزق الصمت والهواء



أدهم الطويل