جامعات تركيا تعاني الفوضى منذ السماح بالحجاب
فيما ينتظر أن تحسم المحكمة الدستورية التركية مصير تعديل دستوري، دخل حيز التنفيذ بالفعل يسمح للطالبات بدخول الجامعات بالحجاب.. حسمت محكمة الاستئناف بأنقرة الجمعة 7-3-2008م دعوى أخرى تتهم أحد أبرز الدعاة الإسلاميين التركيين بـ"التآمر لتطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا"؛ حيث منحته براءة جديدة من تلك التهمة، الأمر الذي يعد نصرا إضافيا للإسلاميين في البلاد.
|
وذكرت محطة تلفزيون إن تي في الخاصة في تركيا أن قرار المحكمة يفسح الطريق أمام الداعية ويدعى فتح الله جولن ليعود إلى تركيا من المنفى في الولايات المتحدة.
وجولن المعروف بأعماله الخيرية ودعواته للحوار بين الأديان له أتباع كثيرون في تركيا لكن بعض العلمانيين الأقوياء بما في ذلك الجيش يتهمونه منذ وقت طويل بالتآمر لتدمير الدولة العلمانية.
وأيدت محكمة الاستئناف في حكمها قرارا سابقا من محكمة أدنى درجة يقول، إن جولن وأتباعه غير مذنبين بتشكيل منظمة إرهابية غير شرعية تهدف لإرساء الشريعة باستخدام القوة والعنف.
واعتمدت الدعوى القضائية ضد جولن (66 عاما) على أشرطة فيديو قيل إنه يظهر فيها يبكي ويصاب بالإغماء وسط مظاهر وجد ديني، ويحث أتباعا يشغلون مناصب عامة على عدم الكشف عن خططهم قبل الأوان.
وقال جولن، الذي ألف عشرات الكتب عن الدين والعلم والفلسفة، إن أشرطة الفيديو جرى التلاعب بها لإخراج كلماته عن السياق.
وتدير حركة جولن مدارس في تركيا والبلقان وأسيا الوسطى. وتضم شبكته أيضا جامعة وصحيفة وعددا من الشركات. ويؤكد جولن في خطبه وكتاباته على أهمية العلم الحديث والتكنولوجيا.
ويرتبط جولن بعلاقات طيبة مع حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وهي حكومة تنتمي ليمين الوسط ذات جذور إسلامية، وغالبا ما تختلف مع المؤسسة العلمانية التي تضم القضاة وجنرالات الجيش.
|
فوضى ما بعد الحجاب!
وفي تلك الأثناء لا تزال الجامعات التركية تعيش أصداء التعديل الدستوري، الذي يتيح للطالبات الدخول بالحجاب لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث.
وفي انتظار أن تحسم المعركة الدستورية طعنا تقدم به حزب علماني حول شرعية هذا التعديل الدستوري الذي دخل حيز التنفيذ، تشهد الجامعات التركية تظاهرات وعرائض من كل نوع, تجمع للأساتذة ورفض للتعليمات الجديدة.. في اختصار, إنها الفوضى في عديد من الجامعات التركية التي شرعت تفتح أبوابها للطالبات المحجبات مع بدء النصف الثاني من العام الجامعي.
في جامعة بوغازيشي في إسطنبول هتف نحو مئة طالب الأربعاء "نعم للحجاب لا لمؤيدي منعه", علما أن هذه الجامعة هي المؤسسة العامة الوحيدة التي استقبلت منذ زمن طويل الفتيات المحجبات.
لكن بعض المراقبين يقولون، إن السماح بالحجاب في التعليم الجامعي عقّد حياة الطالبات اللواتي يرتدينه, وذلك بعدما وافق عليه البرلمان التركي بناء على اقتراح الحكومة المنبثقة من الحركة الإسلامية وأصدر الرئيس عبد الله غول قرارا في شأنه نهاية فبراير/ شباط.
وعلق سعيد أوزتورك الطالب في علم الاجتماع الذي تضامن مع زملائه بارتداء حجاب إسلامي "جراء النزاع السياسي، الذي وقع أخيرا (حول الحجاب), أجبرت نساء محجبات على مغادرة الصفوف بعدما أساء أساتذة معاملتهن".
وإذا كانت جامعات عدة, خصوصا في الريف التركي, وافقت على استقبال طالبات محجبات, فإن نظيرات لها أعلنت بوضوح أنها لن تطبق التدبير الإصلاحي, رغم التحذيرات الصادرة من رئاسة مجلس التعليم العالي تحت طائلة عقوبات جزائية.
وأوضح بعض رؤساء الجامعات أنهم لن يطبقوا الإجراء الجديد قبل صدور مرسوم تفصيلي يلحظ استثناء رموز الإسلام المتطرف, مثل التشادور أو النقاب.
وثمة مخاوف لدى المدافعين عن العلمنة, النافذين في صفوف الجيش والسلطة القضائية والجامعات, من أسلمة تدريجية لتركيا، ذات الغالبية المسلمة في ظل نظام علماني.
يدرس أوندر أوزتورك تاريخ ثورة مصطفى كمال أتاتورك, أبي العلمانية في تركيا, والتزم مناهضة ارتداء الحجاب داخل الجامعة.
وعلى رأس اتحاد الشباب التركي - فرع إسطنبول, وهي منظمة طلابية تضم نحو عشرة آلاف منتسب, بادر إلى تنظيم عدد من التظاهرات وأطلق عريضة في الجامعات رفضا لما اعتبره "هجمات خطيرة" للحكومة "على مبادئ الجمهورية".
وقال "من وجهة نظر تاريخية, تشكل الجامعات (...) معقلا للجمهورية. إنها تمثل العلم والتنوير والحداثة وعليها أن تواصل أداء هذه المهمة", واضعا أمله في حكمة المحكمة الدستورية.
والواقع أن المحكمة قبلت الخميس النظر في طعن يطالب بإلغاء التدبير الإصلاحي, تقدمت به المعارضة الاشتراكية الديمقراطية.
واعتبر عالم الاجتماع فرحات كنتل من جامعة بيلجي الخاصة في إسطنبول، والتي استقبلت الطالبات المحجبات, إن مخاوف الأوساط المتمسكة بالعلمنة تظهر تزايد القلق من خطر أسلمة فعلي.
وقال الباحث "استنادا إلى الدراسات التي أجريت, فإن الفتيات اللواتي يؤيدن الأسلمة ويردن فرض سلوكهن والتحول جزءا من مشروع سياسي لسن سوى أقلية", مؤكدا من جهة أخرى أن "غرق" الجامعات في "بحر" من الفتيات المحجبات "أمر غير وارد".
وأضاف "خلف الحجج (التي تناهض الحجاب), أعتقد أن ثمة خوفا من فقدان شكل معين من الهوية "التركية". وتابع كنتل "ربما ينبغي القبول بإمكان أن يكون للمرء صور أخرى (...) أن يكون له صور عدة".
|